كما وقد وعدتكم أن أنشر تباعاً دراسات الدكتور غصيب
ها هي الدراسة الثانية
أرجو أن تستفيدوا منها كما استفدت
ودمتم طيبين
صبا أبو فرحة
ظاهرة محمود أمين العالم : قراءة في كتاب "فلسفة المصادفة"
د.هشام غصيب
يتسم المفكر بصورة عامة بالجموح. إنه كائن جامح بطبعه. وبالمقابل يتسم الحزبي العربي بصورة عامة بضيق الأفق ونبذه الفكر والتنظير وميله العملي الصارخ. لذلك من الصعب أن نتصور مفكراً وحزبيا في آن. إن المفكر الحزبي ليبدو ضربا من التناقض المستحيل. صحيح أن الساحة تزخر بالمفكرين الملتزمين. لكن الالتزام بفكر ومنهج شيء، والالتزام بالقوالب الحزبية الجاهزة شيء آخر. ولدينا أمثلة واضحة على ذلك في صادق جلال العظم وسمير أمين وعبدالله العروي وحسن حنفي وفؤاد زكريا وزكي نجيب محمود وناصيف نصار وغالب هلسا ومحمد عابد الجابري والقائمة تطول. ومع ذلك، فهناك من حقق المستحيل، فكان مفكراً حزبيا وظل كذلك حتى استشهاده أو موته. ولدينا على الأقل ثلاثة عمالقة حققوا هذا الشرط المستحيل: المرحوم محمود أمين العالم والشهيدان حسين مروة ومهدي عامل. فلا أحد يشك في انتمائهم التنظيمي العميق للحزب الشيوعي (المصري في حال المرحوم واللبناني في حال الشهيدين).وفي الوقت ذاته، لا أحد يشك في قدراتهم التنظيرية الفذة وأصالتهم الفكرية والتزامهم العميق بالمنهج الفكري النقدي الصارم وأصول التنظير المحكم. فهم يتمتعون بملكات شخصية وفكرية نادرة تمكنهم من الالتزام الحزبي العميق من دون الحد من حريتهم الذهنية وممارساتهم الفكرية الأصيلة، بحيث إنهم يحققون أعلى درجات الإبداع الفكري من دون أن يعرضوا قوالب الحزب الضيقة للانكسار والليّ ومن دون أن يصادموا قيادات الحزب وهياكله معرضين أنفسهم للفصل والإقصاء وموقعين حزبهم في الحرج والضيق . كيف يفلحون في تحقيق هذه المهمة العسيرة، سؤال يمكن أن يشكل قاعدة لدراسة مفصلة في هذه الظاهرة.
ولعل أقرب مثال غربي على هذه الظاهرة هو أنطونيو غرامشي، المفكر الأصيل الفذ، والذي لم يكتف بكونه مناضلا حزبيا عنيداً، وإنما كان أيضا المؤسس الرئيسي للحزب الشيوعي الإيطالي. فانسجم نضاله وفكره العميقان أيما انسجام، وذلك بعكس ما حصل مع عملاقي الفكر الماركسي في القرن العشرين، جورجي لوكاتش المجري ولوي ألتوسير الفرنسي. إذ اضطر العملاقان إلى المراوغة وممارسة لعبة القط والفأر مع القيادات الحزبية مراراً وتكراراً، وتعرضا إلى غضب هذه القيادات والإخراج من الملة لفترات مؤقتة في حال لوكاتش تحديداً. وحين نشر هذا الآخير رائعته الفلسفية " التاريخ والوعي الطبقي" عام 1923، تعرض لوابل من الهجوم والنقد من كل حدب وصوب في الحركة الشيوعية الأوروبية، بما في ذلك لينين وبخارين وزينوفييف. وظل هذا الكتاب الفلسفي العظيم خارج إطار الاهتمام الشيوعي حتى يومنا هذا. أما ألتوسير، فقد ظل عرضة للريبة والشك في نواياه من جانب قيادات الحزب الشيوعي الفرنسي برغم أثره البين على الثقافة الشيوعية لدى قطاعات واسعة من الحركة الشيوعية في أوروبا. وفي بلادنا، عانى الشهيد مهدي عامل وضعا شبيها في أوساط الحزب الشيوعي اللبناني والحركة الشيوعية العربية.
وهنا لا بدّ من أن أدلي باعتراف يعبر عن ندم. فقد أهملت أعمال محمود أمين العالم وتجاهلتها ، برغم أني عرفته شخصيا ودخلت في حوار معه أكثر من مرة، بما في ذلك باكورة أعماله، أعني "فلسفة المصادفة" ، الذي كان من المفروض أن أوسعه قراءة وتمحيصا واهتماماً ونقاشا، لأن موضوعه يدخل في صلب عملي الفكري . لقد أهملت هذا الكتاب الأصيل المحكم وهذا المفكر الكبير ، قياساً بما أبديته من اهتمام بمهدي عامل وسمير أمين وصادق جلال العظم ومحمد عابد الجابري وفؤاد زكريا وحسن حنفي، مع أنه لا يقل أهمية عنهم، بل ويتفوق عليهم جميعا من الناحية الفلسفية الصرفة. ولربما كان السبب في هذا الإهمال هو أني ماهيت بينه وبين الحزب الشيوعي المصري، فافترضت ضمنا أن فكره"صحيح" آيديولوجيا، لكنه لم يكن يحمل أي جديد يساعدني في فهم عالمي وواقعي. لربما افترضت أن فكره مجرد تكرار منمق للقوالب الشيوعية والأفكار السوفييتية الجاهزة. وحين خصص محمد دكروب عدداً خاصاً من مجلة "الطريق" لمحمود أمين العالم منذ بضع سنوات، وطلب مني أن أزوده بمقالة لي تتناول كتاب " فلسفة المصادفة" ، تذرعت بكثرة مشاغلي وزودته بمقالة تشير إليه عبوراً فقط قي سياق آخر تماماً، وهو نقد وضعية فيلسوفة العلم المعاصرة، نانسي كارترايت. لكم كنت مخطئا في موقفي هذا، ولكم أشعر اليوم بالندم لأني لم أول عمله الاهتمام الذي يستحقه إبان حياته وفي سياق الحوارات التي سبق أن دارت بيننا.
لقد قرأت الكتاب أخيراً، بعد وفاة المفكر الكبير، من طبعة قديمة لدار المعارف المصرية تعود إلى عام 1969. وكنت قد حصلت عليها من الصديق ناهض حتر منذ سنوات خلت. ماذا أستشف من هذه القراءة؟
1) إن كتاب " فلسفة المصادفة" هو من أفضل كتب فلسفة العلم باللغة العربية، أن لم يكن أفضلها على الإطلاق.
2) إن الكتاب ليس مجرد رسالة لنيل درجة الماجستير في الفلسفة (إنه، على أي حال، يستحق أن يكون رسالة دكتوراة). يقول محمود أمين العالم في التمهيد: " لقد حصلت به على درجة الماجستير في الفلسفة من جامعة القاهرة في يونيه 1953. إلا أنه في الحقيقة لم يكن يستهدف هذه الغاية . لم يكن بحثا عن درجة علمية، بل كان بحثا عن الحقيقة، عن الاستقرار الفكري". ويؤكد ذلك أسلوب الكتاب ومنهجه في تفنيد الأفكار ونقدها.
3) إن صاحب الكتاب صاحب مشروع فلسفي وشامل. لقد عد هذا الكتاب نقطة البداية في مشروع شامل يهدف إلى وضع تصور متكامل في الكون والحياة. ولئن كان هذا الكتاب يعنى بالطبيعة والفيزياء، فقد عزم العالم على أن يرفده بكتاب آخر يعنى بالمجتمع والعلوم الإنسانية حتى يكتمل تصوره الفكري في الكون والحياة. لكن انخراطه في الحزب الشيوعي المصري ونضالاته حال دون إكمال هذا المشروع الفلسفي.
4) بدأ محمود أمين العالم مسيرته الفلسفية في هذا الكتاب بسعيه إلى خلق ما أسماه ميتافيزياء تجريبية. وبتعبير آخر ، فقد سعى إلى خلق كانطية جديدة. فلئن أقام كانط مذهبا فلسفيا جديداً على أساس ميكانيك نيوتن ونتائجها الفكرية والعلمية، فقد سعى العالم إلى إنتاج ميتافيزياء جديدة على أساس الفيزياء الحديثة المتمثلة بنظرية النسبية ونظرية الكم والفيزياء الإحصائية، مسترشداً في ذلك بكتاب فلسفي لـِ D.M.Emmet . وكان عقله آنذاك مثقلا بالفلسفة المثالية بمذاهبها ومدارسها المتنوعة، بنيتشه وبرغسون وراسل ومايرسون وبيرسون وغيرهم. وبدأ ب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ